يرى سورافيل تسفاي، الباحث في «هورن ريفيو»، أن عرض رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي إرسال قوات عسكرية إلى السعودية في أكتوبر 2026 لا يعكس مجرد استجابة للتصعيد الحوثي، بل يكشف عن تداخل ضغوط اقتصادية وأزمات دبلوماسية ومخاوف استراتيجية تدفع القاهرة إلى إعادة تأكيد دورها الإقليمي. فبين تراجع إيرادات قناة السويس، واعتماد الاقتصاد المصري على الدعم الخليجي، واستبعاد مصر من ترتيبات دفاعية جديدة، تسعى القاهرة إلى إثبات أنها لا تزال شريكًا أمنيًا لا يمكن الاستغناء عنه.
ونشر موقع «هورن ريفيو» مقال تسفاي مستعرضًا خلفيات طلب السيسي من البرلمان المصري الموافقة على إرسال قوات عسكرية إلى الخارج، والعلاقة التاريخية بين القاهرة والرياض، وحدود المشاركة العسكرية المصرية المحتملة. ويجادل الكاتب بأن الخطوة تمثل محاولة لإعادة بناء النفوذ المصري عبر شراكة دفاعية محدودة، دون الانجرار إلى حرب برية جديدة في اليمن.
أزمة قناة السويس والودائع السعودية تضغطان على القاهرة
عندما طلب السيسي من البرلمان المصري، في 18 أكتوبر 2026، الموافقة على إرسال قوات عسكرية إلى الخارج، استند إلى فكرة أساسية مفادها أن أمن السعودية لا ينفصل عن أمن مصر. وأعلن المجلس الأعلى للدفاع أن القاهرة تقف إلى جانب الرياض لحماية موارد المملكة وحدودها والمقدسات الإسلامية، فيما كرر السيسي الموقف نفسه في تصريحاته. وجاء الطلب وسط تصعيد حاد في هجمات الحوثيين، أبرزها ضربة استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وأسفرت، بحسب المقال، عن مقتل 15 شخصًا وإصابة آخرين، بينهم مواطنون مصريون.
قد يبدو التحرك المصري للوهلة الأولى امتدادًا لمفهوم الأمن العربي المشترك، الذي يضع مصر في موقع الحامي التقليدي للمنطقة. لكن توقيت الخطوة، وحساباتها الاقتصادية، والخلافات الدبلوماسية السابقة لها، والتاريخ الطويل للاتفاقات الأمنية بين القاهرة والرياض، تكشف عن دوافع أكثر تعقيدًا. فالعرض العسكري ليس مجرد رد فعل على هجوم واحد، بل يأتي في سياق أزمة تتفاقم منذ أواخر عام 2023، وتعيد إنتاج معادلة حكمت العلاقات المصرية الخليجية لعقود: تقديم الثقل العسكري المصري مقابل الدعم المالي الخليجي.
وتبرز أزمة قناة السويس في مقدمة دوافع القاهرة. فقد أعلن وزير الخارجية المصري أن هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر دفعت السفن إلى اتخاذ طرق أطول حول إفريقيا، ما تسبب في خسارة القناة نحو 10 مليارات دولار من الإيرادات. وتشير تقديرات أخرى إلى خسائر سنوية تبلغ 7 مليارات دولار، بما يعني خسارة تراكمية تصل إلى 17 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وفقًا للمقال.
وتُعد قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي الموثوقة لمصر، ولذلك دفع تراجع إيراداتها الاقتصاد الهش إلى الاقتراب أكثر من حافة الأزمة. ورغم تأكيد الحوثيين أن معركتهم تستهدف السعودية بالأساس، وتركيز هجماتهم على خطوط الأنابيب والمطارات والبنية التحتية السعودية، خلصت القاهرة إلى أنها لا تستطيع عزل نفسها عن صراع أضر باقتصادها بالفعل، حتى دون استهداف المصالح المصرية مباشرة. فعندما يتحول البحر الأحمر إلى ساحة حرب، تتجنب شركات الشحن المرور بالمنطقة، ومع ابتعاد السفن تتراجع حركة الملاحة في القناة.
وتضيف العلاقة المالية مع الرياض مزيدًا من الضغط على صناع القرار المصريين. فبحسب المقال، تحتفظ السعودية بودائع تبلغ نحو 10.3 مليارات دولار لدى البنك المركزي المصري، يستحق منها 5.3 مليارات دولار في أكتوبر 2026. ولا تمثل هذه الودائع دعمًا غير مشروط، بل تمنح الرياض أداة تأثير مالي مهمة في وقت تواجه فيه القاهرة ضغوطًا متزايدة.
وترتبط قدرة مصر على تجاوز أزماتها الاقتصادية بالدعم الخليجي منذ عام 2013، حين قدمت السعودية والإمارات والكويت مساعدات بنحو 23 مليار دولار عقب الاضطرابات السياسية. واستحضر السيسي شحنات النفط والغاز والقمح التي تلقتها مصر آنذاك، مقدمًا الدعم العسكري الحالي باعتباره ردًا للجميل. وبحسب هذه الحسابات، قد يؤدي رفض القاهرة مساندة الرياض في لحظة تشعر فيها بتهديد أمني حاد إلى تعريض التمويل السعودي للخطر، بما قد يفاقم الأزمة المالية المصرية.
استبعاد مصر من الاتفاق الدفاعي الجديد يعيد حسابات النفوذ
لا تقتصر دوافع التحرك المصري على الاقتصاد، بل تمتد إلى خلاف دبلوماسي لم تنسه القاهرة. ففي أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. ولم تكن مصر ضمن الموقعين، ليس لأنها رفضت الانضمام، بل لأن مصادر سعودية متعددة أبلغت موقع «ميدل إيست آي» أن الرياض عرقلت مشاركتها، رغم مساعي أنقرة لإدخال القاهرة في الاتفاق.
وبحسب المصادر التي أوردها التقرير، شعر مسؤولون سعوديون بالإحباط مما اعتبروه دورًا مصريًا محدودًا وسلبيًا في الحرب ضد الحوثيين، فضلًا عن حذر القاهرة خلال المواجهات الأمريكية والإسرائيلية مع إيران، وتزايد اعتمادها المالي على الإمارات. ووصف مستشار سابق رفيع المستوى في البلاط الملكي السعودي مصر بأنها طرف يعتمد على الآخرين دون أن يقدم مقابلًا كافيًا. ولم يكن استبعاد القاهرة، وفقًا للمقال، مجرد سهو دبلوماسي، بل إشارة إلى أن الرياض لم تعد تعتبرها شريكًا أمنيًا لا غنى عنه.
وضع هذا الاستبعاد مصر أمام معضلة إقليمية. فإذا استطاعت الرياض بناء منظومة دفاعية جديدة مع تركيا وباكستان دون القاهرة، فقد يتراجع نفوذ مصر الإقليمي بصورة ملموسة. كما أن تولي القوات التركية والباكستانية مهام حماية الأجواء السعودية قد يقوض ادعاء القاهرة التاريخي بأنها الضامن الأساسي للأمن العربي، ويدفعها إلى هامش نظام إقليمي ساهمت سابقًا في تشكيله.
ومن هنا، يفهم الكاتب العرض الثنائي الذي قدمه السيسي إلى البرلمان باعتباره وسيلة لتجاوز الإقصاء. فهو يسمح للقاهرة بإظهار قيمتها الأمنية للرياض دون الارتباط بالالتزامات القانونية لاتفاق ثلاثي لم تشارك في صياغته، كما يضمن استمرار حضورها في الحسابات الإقليمية.
ولا يمثل التحرك، وفقًا لهذا التحليل، خطوة موجهة ضد تركيا؛ فأنقرة أرادت ضم مصر إلى اتفاق مكة لتشكيل تكتل إسلامي أوسع يتمتع بثقل عسكري أكبر، بينما فضلت الرياض إطارًا أضيق يضم تركيا وباكستان. وتسعى القاهرة من خلال عرضها إلى منع أنقرة من الاستحواذ على دور المدافع الرئيسي عن المملكة.
وتعود خلفية هذه المعادلة إلى معاهدة الدفاع المشترك التي وقعتها مصر والسعودية في 27 أكتوبر 1955. ونصت المعاهدة على أن الاعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على الأخرى، كما أنشأت قيادة عسكرية موحدة. وأعقبها عام 1956 اتفاق ثلاثي مع اليمن، تضمن مجلسًا أعلى للدفاع والخارجية، ومجلس حرب دائمًا لرؤساء الأركان، وقيادة مشتركة برئاسة قائد عام واحد.
ورغم أن المعاهدة لم تُلغَ رسميًا، فإنها ظلت مجمدة فعليًا لعقود، بعدما دخلت الدولتان في حرب بالوكالة في شمال اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، ثم تبدلت تحالفاتهما الإقليمية. ويقدم مسؤولون مصريون الخطوة الحالية باعتبارها تفعيلًا لإطار ثنائي قائم منذ زمن، لا إنشاء التزام جديد بالكامل. وبذلك، لا تحاول القاهرة فتح باب أغلقته الرياض في أغسطس، بل تلجأ إلى اتفاق قديم ظل قائمًا على الورق دون استخدام فعلي لأجيال متعاقبة.
دروس اليمن وحرب 1967 تحدد حدود التدخل العسكري المصري
لفهم أسباب توقيع معاهدة 1955، لا بد من العودة إلى التنافس الإقليمي آنذاك. فقد عارضت مصر حلف بغداد المدعوم من بريطانيا، معتبرة إياه أداة للهيمنة الغربية تهدف إلى تهميش القيادة العربية. وسعت القاهرة إلى إنشاء بديل عربي خالص عبر اتفاقها مع السعودية، بما يضمن استمرار نفوذها السياسي في المنطقة. أما الرياض، فعلى الرغم من نظامها الملكي المحافظ، فقد انضمت إلى التحالف لمعارضة الملكيتين الهاشميتين في العراق والأردن، اللتين كانتا تتجهان نحو حلف بغداد.
وخلال فترة وجيزة، دربت مصر الجيش السعودي، بينما قدمت السعودية دعمًا ماليًا للقاهرة أثناء أزمة قناة السويس عام 1956. لكن التحالف انهار بسبب اختلاف رؤى البلدين لمستقبل المنطقة. فقد تحول الصراع إلى حرب بالوكالة في اليمن، عندما حاولت مصر تصدير أفكارها المناهضة للملكية والاشتراكية إلى الحدود السعودية.
واندلعت الحرب الأهلية في شمال اليمن عقب انقلاب سبتمبر 1962، حين أطاح ضباط قوميون بالإمامة الزيدية التي حكمت البلاد قرونًا وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية. وأرسل جمال عبد الناصر قوات مصرية لدعم الجمهوريين، لكن الجنود الذين لم يتدربوا على حرب العصابات في المناطق الجبلية تكبدوا خسائر فادحة. ويشير المقال إلى أن الحرب أودت بحياة أكثر من 20 ألف جندي مصري، واستنزفت الاقتصاد بنحو مليون دولار يوميًا، وأرهقت المؤسسة العسكرية، بما أسهم في الهزيمة أمام إسرائيل في حرب يونيو 1967.
وبعد تلك الهزيمة، اضطر عبد الناصر إلى التوصل إلى تسوية مع الملك السعودي فيصل وسحب القوات المصرية من اليمن. ولم يكن مصير معاهدة 1955 مجرد تعليق مؤقت، بحسب الكاتب، بل دُفنت عمليًا في جبال اليمن.
وجاءت المصالحة خلال القمة العربية في الخرطوم في أغسطس 1967، بعد شهرين من حرب يونيو. فقد دفع التهديد الإسرائيلي، الذي اعتبره الطرفان خطرًا وجوديًا، عبد الناصر وفيصل إلى هدنة براغماتية. ووافقت مصر على سحب نحو 70 ألف جندي من اليمن خلال أشهر، مقابل وقف السعودية الدعم المالي والعسكري للملكيين اليمنيين.
ولأن الحرب أغلقت قناة السويس وحرمت مصر مصدرًا رئيسيًا للدخل، وافقت السعودية والكويت وليبيا على تقديم دعم سنوي للقاهرة بلغ 95 مليون جنيه، تحملت السعودية الجزء الأكبر منه. كما اتفق عبد الناصر وفيصل على دعم قرار الخرطوم الرافض للسلام مع إسرائيل والاعتراف بها والتفاوض معها. وأرست هذه التسوية نموذجًا استمر لاحقًا، يقوم على تبادل الاصطفاف الأمني المصري مع الدعم المالي الخليجي، وهو النموذج الذي يرى الكاتب أن السيسي يعيد استخدامه اليوم.
وتفسر ذاكرة حرب اليمن حذر القاهرة الحالي. فقد تركت الخسائر العسكرية والاقتصادية أثرًا عميقًا في المجتمع المصري والمؤسسة العسكرية، وأصبح إرسال قوات إلى اليمن أو محيطه يثير مخاوف من تكرار تجربة استنزاف سابقة. لذلك، شدد السيسي على أن المهمة المحتملة تقتصر على الدفاع عن الحدود السعودية، ولا تشمل غزوًا بريًا لليمن.
ويعزز شكل الالتزام هذا الانطباع؛ فالتفويض المطلوب دفاعي، ولن تنتشر القوات المصرية إلا بناءً على طلب رسمي صريح من السعودية، على أن تقتصر مهامها على حماية الحدود والتصدي للتهديدات الجوية وتأمين البنية التحتية، دون تنفيذ عمليات هجومية داخل اليمن.
ويشير المقال إلى أن التحركات الأولية تركز على طائرات النقل، لا الوحدات القتالية الأمامية، مع هبوط طائرتين من طراز «سي-130 إتش» في قاعدة الملك فهد الجوية بالطائف. وقد تشمل أي تعزيزات لاحقة أطقم دفاع جوي ورادار للمساعدة في اعتراض الطائرات المسيّرة الحوثية، إلى جانب عناصر الدعم اللوجستي.
كما أُرجئ التصويت البرلماني إلى 26 أكتوبر 2026، وسط توجيهات هادئة لأحزاب المعارضة بالامتناع عن التصويت. ويرى الكاتب أن هذه الإجراءات لا تعكس استعدادًا للاندفاع نحو الحرب، بل محاولة لإرضاء شريك خليجي مهم دون تعريض المصالح المصرية لانتقام الحوثيين.
وتشبه هذه المقاربة ما حدث عام 2015، عندما انضمت القاهرة إلى التحالف الذي قادته السعودية في عملية «عاصفة الحزم». فقد سعت مصر آنذاك إلى حماية قناة السويس من تهديد الحوثيين الذين وصلوا إلى المخا وهددوا مضيق باب المندب، مع الحفاظ على تدفق المساعدات الخليجية. ومع ذلك، اقتصرت المشاركة المصرية على الدوريات البحرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ورفضت القاهرة إرسال قوات برية إلى اليمن.
وفي عام 2026، تتبع مصر النهج نفسه، فتتجنب الغزو البري وتختار انتشارًا دفاعيًا داخل السعودية، رغم تسارع التهديدات قرب الممرات البحرية. ويقول المقال إن الحوثيين سيطروا على المخا في سبتمبر 2026، قبل أن تجبرهم هجمة مضادة مدعومة سعوديًا على الانسحاب في وقت سابق من أكتوبر. ومع تحول الساحل إلى جبهة نشطة قرب باب المندب، أصبح الضرر الاقتصادي الذي تتكبده قناة السويس أكثر صعوبة في التجاهل، ما يدفع السيسي إلى توسيع المشاركة مقارنة بعام 2015، لكن ضمن حدود صارمة.
وفي المحصلة، لا يبدو العرض العسكري المصري تحولًا استراتيجيًا شاملًا بقدر ما يبدو صفقة محسوبة تفرضها ضغوط متشابكة. فتراجع إيرادات قناة السويس يهدد الاستقرار الداخلي، واستحقاق الودائع السعودية يضغط على الوضع المالي، فيما يهدد استبعاد مصر من اتفاق مكة مكانتها الإقليمية. وتسعى القاهرة إلى تقديم مساهمة دفاعية واضحة تمنع تهميشها، مع إبقاء حجم الانتشار محدودًا وتأجيل التصويت لتجنب التورط في حرب مفتوحة.
ويتمثل الهدف الأعمق في العودة إلى منظومة الأمن العربي بشروط تستطيع مصر قبولها. فالنشر الثنائي للقوات يبعث رسالة إلى الرياض بأن القاهرة لا تزال شريكًا عسكريًا مهمًا، ويعيد إحياء العلاقة الأمنية لعام 1955 بصورة عملية، دون الدخول تلقائيًا في التزامات قد تتعارض مع حسابات مصر الأمنية أو التزاماتها بموجب معاهدة السلام مع إسرائيل.
ويخلص تسفاي إلى أن نجاح استراتيجية السيسي سيعتمد على قدرة القاهرة على استعادة نفوذها دون الوقوع في فخ التدخلات العسكرية طويلة الأمد. فقد أظهرت تجربتا 1955 و1967 أن المسافة بين إشارة سياسية محدودة والتزام عسكري مكلف قد تتقلص بسرعة، وأن التحالفات التي تبدأ بوعد حماية المصالح الوطنية قد تنتهي باستنزاف الاقتصاد والجيش إذا خرجت عن حدودها المحسوبة.
https://hornreview.org/2026/10/21/egyptian-offer-of-troops-to-saudi-arabia-why-now/

